في مساءٍ رياضيٍّ من شتاءِ ألفَينِ وتسعةَ عشرَ، التقى ثلاثةٌ على طاولةِ شرقيّ المدينة، يَحمِلونَ في صدورِهم سؤالاً واحداً: لماذا يَهجرُ أبناؤنا لسانَ آبائِهم؟
لم يكنِ اللقاءُ مُرتَّباً، ولا الأفكارُ ناضجةً، ولا الطريقُ معبَّداً. كان شابّانِ ومعلِّمةٌ: أحدُهم مُهندسٌ يكتبُ الشعرَ في السِّرِّ، والآخرُ صحفيٌّ ضاقَ ذرعاً بلُغةِ النَّشراتِ، والمعلّمةُ قد تعبَتْ من فصولٍ تزدادُ فيها الأخطاءُ كلَّ عامٍ. أمضَوا ساعتَينِ يَرسُمونَ على مناديلِ المقهى خريطةً لمؤسَّسةٍ لم تكُنْ قد وُلِدَتْ بعد.
ما نَحتاجُهُ ليس درساً إضافيّاً في القواعد، بل رائحةً تَستَدرجُ القلبَ إلى العربية. شيءٌ كالعَبَق.
من تلكَ الكلمةِ وُلِدَ الاسمُ. ومن ذلكَ المنديلِ وُلِدَ الميثاقُ. وفي ربيعِ ألفَينِ وعشرين — حينَ كانتِ الدُّنيا تُغلِقُ أبوابَها — فَتَحَتْ عَبَق بابَها الأوّل على شكلِ ورشةٍ إلكترونيّةٍ حضرَها سبعةَ عشرَ مُشتركاً.
لم نَعِدْ أحداً بمعجزةٍ، ولم نَدَّعِ أنّنا نَملِكُ حلّاً شاملاً. وعَدْنا أنفُسَنا فقط: أن نُقدِّمَ العربيّةَ كما عَرَفَها أجدادُنا — لا كمادّةٍ دراسيّةٍ جافّةٍ، بل كبُستانٍ يَستظِلُّ فيهِ الشاعرُ والطالبُ والمُثقَّفُ والطفلُ.
اليومَ — وبعدَ ستِّ سنواتٍ من العملِ الهادئِ — تَحتضنُ عبق تسعةَ برامجَ، وخمسَ عشرةَ ألفَ مُتدرِّبٍ، وثمانيةَ عشرَ شريكاً. لكنّنا ما زلْنا نرى أنفسَنا في مناديلِ ذاكَ المقهى: ثلاثةً يَرسُمونَ خريطةً لحُلمٍ لم يَكتَمِلْ بعد.